في المشهد اللبنانيّ الراهن، لا يحتاج المتابع إلى كثير عناء ليدرك حجم التحوّل الذي أصاب "حزب الله". حزبٌ قدّم نفسه طويلًا لاعبًا إقليميًا قادرًا على "تغيير وجه المنطقة" وتهديد أمنها ومعادلاتها، انتهى به الأمر اليوم إلى استعراض درّاجات نارية في شوارع بيروت، كأنّ ما تبقّى من قوّته اختُزل في ضجيج العوادم وشعارات الغضب المتأخّر.
هذا التحوّل ليس تفصيلًا عابرًا، بل عنوان مرحلة كاملة. فالحزب الذي اجتاح بيروت في 7 أيّار، واغتال، وقطع الطرقات، وفرض قراراته على حكومات متعاقبة بقوّة السلاح، كان عمليًا الحاكم الفعلي للبلاد حين كان أمينه العاميمسك بمفاصل القرار، يحدّد السقوف، ويرسم الخطوط الحمراء للدولة ومؤسساتها.
اليوم، الصورة معكوسة. فالسلاح الذي ادّعى "حماية لبنان" لم يمنع حربًا مدمّرة زُجّ فيها البلد من دون أي نقاش في المجلس النيابي، ولا أي غطاء دستوري أو وطني. حرب كشفت، بما لا يقبل الشك، أنّ الحزب أوهن من بيت العنكبوت، وأنّ أسطورة القوّة الإقليمية تكسّرت عند أوّل اختبار. والأخطر أنّ نتائج تلك الحرب ألحقت بلبنان أثمانًا سياسية وأمنية فادحة، وفتحت الباب أمام معادلات دولية منحت إسرائيل هامشًا أوسع للتحرّك تحت عنوان "الدفاع عن النفس".
بدل أن يستخلص الحزب العِبر ويجنّب البلاد مغامرات جديدة، اختار طريق المكابرة. يرفع شعار "عدم تسليم السلاح" في العلن، فيما يعرف القاصي والداني أنّ ما يُقال في الخطابات شيء، وما يجري في الكواليس شيء آخر. حتى قيادة الحزب تدرك أنّ الزمن تغيّر، وأنّ فائض القوّة الذي كان يفرض الإيقاع انتهى، وأنّ التمسّك باللغة القديمة لم يعد يُقنع بيئة بدأت تفقد ثقتها بوعود تآكلت مع كل استحقاق.
خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير، بما حمله من عبارات تهديدية من نوع "طويلة على رقبتكم"، لم يكن سوى محاولة أخيرة لشدّ العصب الطائفي ورفع منسوب الانفعال داخل بيئة تعرف في قرارة نفسها أنّ الحزب دخل مرحلة اللاعودة. لم يعد الكلام العالي السقف قادرًا على تعويض الوقائع: لا نفوذ إقليميًا كما في السابق، ولا قدرة على فرض الشروط داخليًا، ولا غطاء وطنيًا لسلاح بات عبئًا على بيئته.
في المقابل، تحوّل السلاح السياسي الوحيد المتبقّي إلى شتائم وهجمات لفظية على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، كلّما عبّرا عن مواقف وطنية واضحة لصالح الدولة ومؤسساتها. هذا الانحدار في الخطاب يعكس ضيق الخيارات لا قوّتها: فحين يعجز الحزب عن فرض إرادته، يلجأ إلى الضجيج، وحين يتراجع نفوذه، يرفع منسوب الشتيمة.
تحرّكات الدراجات النارية في بيروت أمس، كشفت الحجم الحقيقي لما تبقّى: حزب كان يهدّد المنطقة صار يستعرض في الأزقّة. حزب كان يفرض المعادلات صار يستنكر نهارًا ويخلد إلى النوم ليلًا، فيما قطار الدولة انطلق من دون أن ينتظره.
الخلاصة قاسية لكنّها واقعية: مرحلة السلاح انتهت، ومرحلة الدولة بدأت. وكلّ من يصرّ على العيش خارج هذا التحوّل، سيكتشف عاجلًا أنّ الزمن لا يعود إلى الوراء، وأنّ الدراجات النارية لا تصنع تاريخًا… ولا مستقبلًا.